الدعاء لشريكك: الهدية الخفية بين الزوجين

مدونة الدين والقيم

الدعاء لشريكك: الهدية الخفية بين الزوجين

الدعاء لشريكك من أهدأ أعمال الحب وأقواها. يغيّر المدعوَّ له والداعيَ معا، ولا يطلب مقابلا.

6 دقيقة قراءة

الفئة: الدين والقيم

العلامات: الزواج الإسلامي, الدين والقيم, الإيمان

هناك صورة من الحب بين الزوجين لا يراها أحد، ولا تكلّف شيئا، وقد تكون من أقوى الصور كلها: أن يدعو كل منهما للآخر. فأن ترفع يديك وتسأل الله أن يحفظ شريكك، ويخفف أحماله، ويهدي قلبه، ويبقيه بخير، عمل عناية يبلغ مواضع لا تبلغها كلمات ولا لفتات. إنه حب تحوّل دعاءً، يُبذَل بهدوء ولا يطلب مقابلا.

وكثير من الأزواج لا يخطر لهم أن يجعلوا هذا عادة، لكن من يفعلون يجدون غالبا أنه يغيّر زواجهم بطرق لم يتوقعوها. فالدعاء يعمل في قلبين معا: المدعوّ له، وبعمق مثله، الداعي نفسه.

أهدأ صور الحب

أكثر صور الحب ظاهرة: هدية، وكلمة طيبة، ويد تعين. أما الدعاء فخفيّ. فقد لا يعرف شريكك، في اللحظة، أنك وقفت في صلاة تسأل له الخير. ومع ذلك قد يحمل هذا الفعل الخفيّ وزنا أكبر من الظاهرة، لأنه يلتمس من بيده وحده عافيته حقا.

وفي الحب الذي لا يطلب أجرا طُهر. فحين تدعو لشريكك دون أن تخبره، تحبّه لذاته ولوجه الله، لا لأيّ شكر قد تتلقاه.

عناية لا تقدر عليها يداك

كم من أمر في شريكك لا تستطيع إصلاحه، مهما أحببته. فلا تستطيع أن تشفي همومه، أو ترفع حزنه، أو تضمن سلامته حين يبعد عنك. لكنك تستطيع أن تسأل من يقدر. فالدعاء يبلغ تحديدا حيث تقصر يداك.

وهذا مواساة لا عجز. فحين يكافح شريك مع شيء فوق قدرتك على رتقه، فالدعاء له ليس فعل لا شيء، بل هو أقصى ما يقدر عليه أحد، بالتوجه إلى من بيده وحده كمال القدرة على الأمر.

ادعُ لشريك أنت غاضب منه

من أكثر العادات تحويلا أن تدعو لشريكك تحديدا حين تكون غاضبا أو مجروحا منه. يبدو هذا شبه مستحيل في البداية؛ فالقلب المجروح يريد أن يحضن مظلمته لا أن يسأل الخير لمن سبّبها. لكن هذا تحديدا حين يفعل الدعاء أعمق عمله.

فمن الصعب جدا أن تمسك ضغينة تجاه من تسأل الله بصدق أن يبارك فيه ويهديه. وفعل الدعاء له يليّن قلبك أنت، ويرخي قبضة الغضب، ويفتح غالبا بابا إلى الصلح كان الكبر قد أوصده.

الدعاء الذي يغيّر الداعي

كثيرا ما نظنّ الدعاء شيئا يعمل في المدعوّ له. لكنه يعمل بقوة في الداعي. فحين تسأل الخير لشريكك بانتظام، تبدأ نظرتك أنت إليه تتحول. تبدأ تلاحظ حاجاته، وتتمنى له الخير، وتراه من خلال عدسة الرحمة لا الشكوى.

وبهذا، فإن الدعاء لشريكك طريقة للعمل على نفسك أيضا. فهو يدرّب القلب على الشفقة، والقلب المدرَّب على الشفقة يعامل شريكه مختلفا جدا في لحظات اليوم العادية.

أخبر شريكك أنك دعوت له

مع أن للدعاء سرّا جماله، فهناك أيضا مكان لأن تُعلِم شريكك. فأن يسمع «دعوت لك اليوم» قد يحرّك المرء بعمق، لأنه يخبره أنه يعيش في قلبك حتى في أخصّ لحظاتك بين يدي الله. إنه طمأنة نادرا ما تبلغها الكلمات العادية.

وإذا استُعمل بصدق لا أداءً، فقد يكون هذا الكشف الصغير مواساة عميقة، خصوصا حين يمرّ شريك بوقت صعب وأكثر ما يحتاج أن يشعر أنه لا يحمله وحده.

الدعاء في الشدّة معا

حين يواجه الزوجان شدّة، من مرض أو فقد أو خوف أو ضائقة مالية، فإن التوجه إلى الدعاء معا يربطهما بما لا تربطه أشياء كثيرة. فرفع أيديكما جنبا إلى جنب، تسألان الله الفرج والصبر، يذكّركما أنكما لا تواجهان الشدّة معا فقط، بل تواجهانها بين يدي من يقدر على رفعها.

والدعاء المشترك في الأوقات الصعبة منبع قوة يتجاوز مجرد التشجيع. فهو يغرس الشدّة في تربة الإيمان، حيث ينمو الأمل حتى حين لم يتغير الوضع نفسه بعد.

ادعُ لإيمان شريكك وخلقه

أبعد من سؤال اليُسر والحفظ، هناك دعاء أعمق يستطيع الزوجان أن يدعواه: لإيمان كل منهما، وخلقه، وقربه من الله. فأن تسأل أن يُهدى قلب شريكك، ويقوى إيمانه، ويحسن خلقه، هو أن تريد له أفضل ما يملكه إنسان.

وهذا النوع من الدعاء يعيد تأطير الزواج نفسه. فهو يقول إنك لا تريد حياة مريحة مع شريكك فقط، بل تريده أن يزدهر بأعمق معنى، وأنك مستعدّ أن تسأل الله ذلك نيابة عنه.

علّم الأطفال الدعاء للأسرة

حين ينشأ الأطفال على سماع والديهم يدعو كل منهما للآخر وللأسرة، يتعلمون أن هذا جزء مما يبدو عليه الحب. فيمتصّون عادة حمل من يحبّون في دعائهم، ويحملون إحساسا بأن الأسرة ملفوفة بالدعاء.

والبيت الذي يدعو أهله بعضهم لبعض له دفء خاص. والأطفال الذين ينشؤون فيه يتعلمون مبكرا أن أقوى عون يقدّمونه لمن يحبّون هو أن يسألوا الله خيره، درس سيخدمهم طوال حياتهم.

دعوة المظلوم

يجدر أن نتذكر، بشيء من الحذر، عظم الدعاء، خصوصا دعوة المظلوم. وهذا تذكير بأن تعامل شريكك بعدل، عالما أن دعاءه الصادق لله له وزن، وأن الظلم داخل الزواج لا يخفى حقا.

وبدل أن يكون تهديدا، يُحسن أن يُؤخَذ تشجيعا نحو الإنصاف والرفق. فالشريك الذي يعرف جدّية دعوة القلب المظلوم له كل سبب ليحرص أن لا يكون لدى شريكه إلا خير يدعو له به، لا مظالم يرفعها عليه.

شكر منسوج في دعائك

الدعاء ليس سؤالا فقط، بل شكر أيضا. وتضمين الشكر على شريكك في دعائك، تحمد الله أن وضع هذا الإنسان في حياتك، يعيد بهدوء تشكيل كيف تراه. فمن الصعب أن تظل عند عيوب شريك بعد أن حمدت الله عليه نعمةً مباشرة.

وهذه العادة تحرس القلب من الانجراف البطيء نحو أخذ الشريك كأمر مسلّم به. فتسميته نعمةً بين يدي الله تبقي حيا، في قلبك أنت، الوعي بأنه كذلك تماما.

اجعلا الدعاء عادة مشتركة

كأيّ عادة طيبة، ينمو الدعاء لبعضكما حين يُنسَج في إيقاع الحياة. فدعاء قصير لبعضكما قبل النوم، ودعوة سريعة حين يخرج أحدكما من البيت، وعادة سؤال الخير لشريكك في صلواتك اليومية، هذه الأعمال الصغيرة المتكررة تبني شيئا يدوم مع الوقت.

ولا يلزم أن يكون متكلّفا. فأبسط الكلمات الصادقة تكفي. والمهمّ ثبات العادة، العودة مرة بعد مرة لرفع شريكك بين يدي الله في لحظات يوم عادي.

توكّل على الله فيما لا تقدر على إصلاحه

في جوهره، الدعاء لشريكك فعل توكّل. فهو اعتراف بأنك لا تستطيع أن تضمن سعادته، أو هدايته، أو عافيته بجهدك وحده، ووضعٌ لتلك الأمور في يد من يقدر. وهذا التوكّل يخفف الثقل المستحيل لمحاولة أن تكون كل شيء لإنسان آخر.

وفي هذا سلام عميق. فأنت تؤدّي نصيبك، بحب وجهد، ثم تكل الباقي إلى الله بالدعاء، عالما أن أفضل النتائج لشريكك في النهاية بيده يهبها، لا بيدك تصنعها.

الخيط الخفيّ

بين زوجين يدعو كل منهما للآخر يجري خيط خفيّ، منسوج لا من كلمات أو لفتات بل من دعاء. خيط لا يراه العالم ولا تكسره الشدّة بسهولة، لأنه مربوط لا بقوة الزوجين بل برحمة الله. فالزواج الممسوك جزئيا بالدعاء المتبادل له صلابة لا يبلغها الجهد البشري وحده. فإذن، في هدوء الليل، أو في زحام الصباح، ارفع شريكك بين يدي الله. اسأل له الهداية، واليُسر، والعافية، والإيمان. لا يكلّفك شيئا، ولا يطلب مقابلا، وقد يكون أقوى هدية تهديها يوما للإنسان الذي تزوجته.