تربية الأبناء بروح الفريق الواحد

مدونة الأسرة

تربية الأبناء بروح الفريق الواحد

يزدهر الأبناء حين يتصرف والداهم فريقا واحدا لا دفترَي قواعد منفصلين. وتقديم جبهة موحّدة، مع احترام كل منهما الآخر، يمنح الأبناء أمانا وقدوة طيبة معا.

7 دقيقة قراءة

الفئة: الأسرة

العلامات: التربية, الأسرة, الأبناء

الأبناء بارعون بشكل لافت في التقاط الفجوة بين والديهم. فحين يربّي الأب والأم بوصفهما سلطتين منفصلتين، بقواعد مختلفة وخلافات علنية، يتعلم الأبناء بسرعة أن يتسللوا من الشقوق، يلعبون أحدهما ضد الآخر ويصيرون غير متيقّنين مما هو متوقَّع فعلا. وحين يعمل الوالدان فريقا واحدا، يشعر الأبناء بثبات تحتهم يشكّل كل شيء، من سلوكهم إلى إحساسهم بالأمان.

وتربية الأبناء بروح الفريق لا تعني الاتفاق على كل شيء أو أن يكونا والدين متطابقين، بل تعني الوقوف معا حيث يهمّ، وحلّ الخلافات سرّا، ومنح الأبناء أمان معرفة أن والديهم، في الأساس، في صفّ واحد.

الأبناء يلاحظون كل شيء

قبل أن يقدروا على التعبير عن ذلك بزمن، يقرأ الأبناء العلاقة بين والديهم. يلاحظون من يتخذ القرارات فعلا، وهل القواعد ثابتة، وأين تكمن الخلافات. إنهم يتعلمون باستمرار وبهدوء كيف تعمل أسرتهم.

ولهذا يهمّ النهج الموحّد كثيرا. فالأبناء يبنون إحساسهم بالأمان على اعتمادية والديهم، وعدم الثبات بين الأب والأم ينخر ذلك الأساس أكثر مما يدرك أكثر الوالدين.

جبهة موحّدة حتى حين تختلفان

تقديم جبهة موحّدة لا يتطلب الاتفاق دائما، بل يعني أن يسند الوالدان أحدهما الآخر أمام الأبناء، حتى حين يريان الأمور بشكل مختلف في السرّ. فالطفل الذي يسمع أحد والديه يلغي قرار الآخر علنا يتعلم أن القواعد قابلة للتفاوض وأن السلطة منقسمة.

وليس هذا تظاهرا بأنكما شخص واحد، بل اختيار، في اللحظة، أن يسند أحدكما الآخر علنا وأن تدّخرا الخلاف لحديث خاصّ لا يستطيع الأبناء أن يستعملوه ورقة.

اختلفا خلف الأبواب المغلقة

سيختلف كل زوجين حول التربية، وهذا صحي. والمهمّ أين يحدث الخلاف. فمناقشة الفروق سرّا، بعيدا عن الأبناء، تتيح لكما بلوغ موقف مشترك دون أن يقوّض أحدكما الآخر أمام من يراقبون ويتعلمون.

فحين يتجادل الوالدان حول العقاب أمام أبنائهما، يشعر الأبناء غالبا بالقلق والحيرة. والخلاف نفسه، إذا حُلّ بهدوء، يصير خفيّا عنهم، ولا يظهر إلا القرار الموحّد.

حين يكون أحد الوالدين الأكثر حزما

كثيرا ما يكون أحد الوالدين أحزم بطبعه والآخر أرفق. وهذا قد ينجح حين يتوازن، لكنه يصير مشكلة حين يتعلم الأبناء أن يذهبوا دائما إلى الوالد الليّن ليلغي قرار الحازم. فينتهي الاثنان إلى الشدّ ضد بعضهما.

والحلّ أن تتحركا نحو المنتصف معا، فيليّن الحازم قليلا ويثبّت الليّن الحدّ قليلا، كي يتلقّى الأبناء رسالة ثابتة لا رسالتين متعاكستين.

تجنّبا فخّ الطيب والشرير

من السهل الوقوع في نمط يصير فيه أحد الوالدين هو المنفّذ والآخر المواسي. ومع الوقت يضرّ هذا بكلتا العلاقتين: يحقد الأبناء على الوالد الحازم ويفقدون احترام الليّن. وليس أيّ من الدورين صحيا حين يصير ثابتا.

ومشاركة الدفء والعقاب معا تحفظ التوازن. فينبغي أن يكون كلا الوالدين مصدر مودة وأن يحفظ كلاهما القواعد، كي لا يصير أحدهما الشرير وحده أو الملاذ الليّن وحده.

اتفقا على القيم الكبرى

لن تتفقا على كل قرار صغير، ولا تحتاجان إلى ذلك. والأهمّ الانسجام في الأمور الكبرى: القيم الجوهرية، والقواعد التي لا تُساوَم، ونوع الناس الذي ترجوان أن يصير أبناؤكما عليه. فحين تتفقان على الأسس، تهمّ الفروق الصغيرة في الأسلوب أقلّ بكثير.

وأخذ الوقت لمناقشة هذه القيم الكبرى معا، مثاليا قبل نشوء الخلافات، يعطيكما بوصلة مشتركة. عندها تنبع القرارات اليومية من فهم مشترك بدل تفاوض دائم.

اسندا سلطة بعضكما

يحتاج الأبناء أن يحترموا كلا الوالدين، وهذا الاحترام يُبنى جزئيا بإكرام كل والد سلطةَ الآخر. فحين يقول الأب: "اسمع كلام أمك"، أو تثبّت الأم ما قرره الأب، يقوّي أحدهما الآخر في عيون الأبناء.

وهذا السند المتبادل هدية يقدّمها كل والد للآخر. فالوالد الذي تُسنَد سلطته بانتظام من شريكه يجد التربية أسهل بكثير ممّن يُقوَّض بهدوء.

لا تقوّض الآخر أمام الأبناء

قلّ ما ينخر التربية الموحّدة أسرع من أن يناقض أحد الوالدين الآخر أو ينتقده أمام الأبناء. فحتى تقليبة عين صغيرة أو خلاف مهموس يعلّم الأبناء أن أحد الوالدين لا يحترم قرارات الآخر.

فإن اختلفت مع كيف تصرّف شريكك في أمر، فوقت قول ذلك لاحقا، في السرّ. أما في اللحظة، فإسناده ثم مناقشته بعدها يحمي وحدتكما وإحساس أبنائكما بالنظام معا.

تقاسما عبء التوجيه

حين يقع كل التصحيح على أحد الوالدين، يصير ذلك الوالد منهكا ومحقودا عليه، بينما يخاطر الآخر بأن يصير متفرّجا. وتقاسم مسؤولية التوجيه والعقاب يبقيها متوازنة ويمنع أحد الوالدين من حمل الثقل كله وحده.

وهذا التقاسم يجسّد أيضا الشراكة للأبناء. فيرون أن إدارة الأسرة جهد مشترك، لا وظيفة والد متعب بينما يراقب الآخر من الجانب.

قدّما الدين معا

حين يتعلق الأمر بتوريث الدين والقيم، يكون النهج الموحّد قويا بشكل خاص. فالأبناء يمتصّون أكثر بكثير حين يعيش الوالدان معتقدهما ويقدّمانه معا، بدل أن يحمل أحدهما كل التعليم الديني بينما يبقى الآخر بعيدا عنه.

يحثّ الإسلام الوالدين على تربية أبنائهما على القيم الطيبة والتعاون على البرّ. فحين يرى الأبناء كلا الوالدين يصلّيان ويعطيان ويعيشان دينهما فريقا، رسخ الدرس أعمق بكثير من أي محاضرة من والد وحده.

حين رُبّيتما بطريقتين مختلفتين

كثير من خلافات التربية ينبع من أن كل والد رُبّي بطريقة مختلفة ويفترض بهدوء أن نشأته هو كانت العادية. فقد يؤمن أحدهما بالشدّة والآخر باللين، يردّد كل منهما طفولته. وإدراك هذا يعينكما على مناقشته دون لوم.

وبدل الدفاع عن الطريقة التي رُبّيت بها، اعملا معا على أن تختارا عمدا أيّ والدين تريدان أن تكونا. فأبناؤكما يستحقّون نهجا مدروسا بنيتماه معا، لا مجرد نمطين موروثين يصطدمان.

أصلِحا حين تزلّان

لا زوجين يربّيان فريقا كاملا طوال الوقت. فستناقضان أحدكما الآخر أحيانا، أو تتجادلان أمام الأبناء، أو تقوّضان قرارا. وحين يحدث هذا، أصلِحاه: تحدّثا سرّا، وأعيدا الانسجام، وحيث يناسب، دعا الأبناء يرون أنكما حللتما الأمر معا.

لا يحتاج الأبناء والدين كاملين، بل ينتفعون برؤية والدين يختلفان ثم يتصالحان، لأن ذلك يعلّمهم أن الخلاف يمكن أن يُحلّ وأن أسرتهم صلبة.

الزواج وراء التربية

تنمو التربية الموحّدة من زواج سليم. فحين تكون علاقة الزوجين نفسها قوية، يأتي العمل معا كوالدين أكثر طبيعية. وحين يكون الزواج متوترا، تصير فروق التربية غالبا ساحة معركة أخرى. والعناية بزواجكما، بهذا المعنى، عناية بأبنائكما أيضا.

ولهذا تهمّ الرابطة بين الوالدين كثيرا لعالم الطفل. فالزواج الدافئ المحترِم يمنح الأبناء لا تربية موحّدة فقط، بل أمان بيت يكون فيه الشخصان في قلبه في سلام.

فريق يثق به الأبناء

في النهاية، تربية الأبناء بروح الفريق تمنحهم واحدة من أعظم هدايا الأسرة: أمان معرفة أن الأرض تحتهم ثابتة. يعرفون القواعد، ويعرفون أن والديهم يقفان معا، ويعرفون أنه حتى حين يختلف والداهم سيحلّان الأمر باحترام. وهذا الأمان يصنع أبناء واثقين مستقرّين. والجهد الذي يتطلبه، من نقاشات خاصة وسند متبادل واختيار إسناد أحدكما الآخر، ليس تربية طيبة فقط، بل طريقة أخرى يعمّق بها الزوجان شراكتهما، يبنيان أسرة على أساس يستطيع الأبناء أن يثقوا به بقية حياتهم. وحين يكبر الأبناء ويبنون بيوتهم، يحملون معهم تلك الصورة الأولى: والدان وقفا معا برفق وحزم، فيعيدان صنع الدفء نفسه في الجيل الذي يليهما.